محمد الريشهري
3567
ميزان الحكمة
ثم صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من قطعات الأرض على حسب مساعيهم في الحياة وبأسهم وشدتهم ، وتخصيصها بأنفسهم وتسميتها وطنا يألفونه ويذبون عنه بكل مساعيهم . وهذا وإن كان أمرا ساقهم إلى ذلك الحوائج الطبيعية التي يدفعهم الفطرة إلى رفعها ، غير أن فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانية من حياة النوع في مجتمع واحد ، فإن من الضروري أن الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتتة وتألفها وتقويها بالتراكم والتوحد ، لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتم وأصلح ، وهذا أمر مشهود من حال المادة الأصلية حتى تصير عنصرا ثم . . . ثم نباتا ثم حيوانا ثم إنسانا . والانشعابات بحسب الأوطان تسوق الأمة إلى توحد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الوطنية الأخرى ، فيصير واحدا منفصل الروح والجسم عن الآحاد الوطنية الأخرى ، فتنعزل الإنسانية عن التوحد والتجمع وتبتلي من التفرق والتشتت بما كانت تفر منه ، ويأخذ الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة ( أعني الآحاد الاجتماعية ) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونية من استخدام واستثمار وغير ذلك ، والتجريب الممتد بامتداد الأعصار منذ أول الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك ، وما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم . وهذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه الانشعابات والتشتتات والتميزات ، وبنى الاجتماع على العقيدة دون الجنسية والقومية والوطن ونحو ذلك ، حتى في مثل الزوجية والقرابة في الاستمتاع والميراث ، فإن المدار فيهما على الاشتراك في التوحيد لا المنزل والوطن مثلا . ومن أحسن الشواهد على هذا ما نراه عند البحث عن شرائع هذا الدين أنه لم يهمل أمره في حال من الأحوال ، فعلى المجتمع الإسلامي عند أوج عظمته واهتزاز لواء غلبته أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ، وعليه عند الاضطهاد والمغلوبية ما يستطيعه من إحياء الدين وإعلاء كلمته . . . وعلى هذا القياس ، حتى أن المسلم الواحد عليه أن يأخذ به ويعمل منه ما يستطيعه ولو كان بعقد القلب في الاعتقاديات والإشارة في الأعمال المفروضة عليه . ومن هنا يظهر أن المجتمع الإسلامي قد جعل جعلا يمكنه أن يعيش في جميع الأحوال وعلى كل التقادير من حاكمية ومحكومية وغالبية ومغلوبية وتقدم وتأخر وظهور وخفاء وقوة وضعف . ويدل عليه من القرآن آيات التقية بالخصوص ، قال تعالى : * ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( 1 ) وقوله : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ( 2 ) وقوله : * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * ( 3 ) وقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا
--> ( 1 ) النحل : 106 . ( 2 ) آل عمران : 28 . ( 3 ) التغابن : 16 .